محمد جواد مغنية

403

في ظلال نهج البلاغة

( وبالعلم يرهب الموت ) . العالم الأصيل هو الذي يحس ويشعر بأنه يسير بخطى واسعة وسريعة إلى حفرته ، وان وجوده في هذه الحياة إن هو إلا آثار أقدام على رمال ، وانه لا بقاء لشيء إلا لما يتركه الانسان لمجتمعه من نفع وعون . . ومن ودّع شبابه كما ودعته أنا فقد اختبر الموت وعاناه ، ولكن الانسان ينسى حتى الأشياء التي جربها بنفسه . ( وبالموت تختم الحياة ) لأن من مات قامت قيامته ( وبالدنيا تحرز الآخرة ) لأن تلك مطية لهذه ، والعمل الصالح وسيلة لسعادة الغد ، وتقدم مع الشرح المفصل في الخطبة 29 ( وبالقيامة تزلف الجنة ، وتبرز الجحيم للغاوين ) . لا سعادة للإنسان ولا شقاء في هذه الحياة ، لأنها أحلام وضلال ، فإذا مات انتبه وانكشف الغطاء ، وانه يحيا إلى الأبد إما في نعيم وهناء ، وإما في جحيم وشقاء ( وان الخلق لا مقصر إلخ ) . . لا مفر من الحساب والجزاء ، فإنه الغاية والمصير ، واليه نسرع ونسير ، شعرنا بذلك أم لم نشعر ، والعاقبة لمن نفع وأحسن . ( وقد شخصوا من مستقر الأجداث ) . خرجوا أو ذهبوا من القبور ( وصاروا إلى مصائر الغايات ) وهي القيامة . ومن خطبة للإمام : أعدوا للموت قبل نزوله ، فإن الغاية القيامة ( لكل دار ) من الجنة والنار اللتين تقدم ذكرهما في قوله : ( وبالقيامة تزلف الجنة إلخ ) . . ( أهلها لا يستبدلون بها ولا ينقلون عنها ) . من سبق إلى الجنة فإلى الأبد ، ملك دائم ، ونعيم قائم ، ومن أدخل النار فهي مثواه ولا منقذ إلا ما شاء اللَّه . ( وان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخلقان من خلق اللَّه ) . الأمر بالمعروف هداية ورحمة ، ونصيحة ومحبة ، ولذا كان من خلق اللَّه وأنبيائه وأوليائه . ولا شك ان الأمر بالمعروف جائز حتى ولو أدى إلى القتل بدليل قوله تعالى : * ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ الله ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) * - 21 آل عمران . حيث دلت الآية على أن من قتل من أجل الأمر بالمعروف فهو على سبيل النبيين . ولكن هل يجب الأمر بالمعروف مطلقا حتى مع خوف الضرر ، أو ينتفي الوجوب مع هذا الخوف قال أكثر الفقهاء : لا يجب مع الخوف على النفس أو المال والأهل . وقال آخرون : يجب على كل حال وبلا شرط .